تأملات حاجة – في غرفة السكن

15 ديسمبر

جافاني النوم هذه الليلة فأخذت أتذكر مواقف مرت و كأنها حدثت بالأمس .. كم كانت أيام روحانية تعجز الكلمات عن وصفها ..

ثم أخذت أتسائل .. هل تغيرت للأفضل أم عاد الجفاف يتسرب إلى روحي بعد شحنات الايمان التي تلقيتها في تلك البقاع الطاهرة؟ و صرت أعد الامور التي وعدت نفسي بتغييرها .. و أحاسب نفسي على التقصير و أبدأ كل صباح و كأنني عدت بالأمس من تلك الأجواء الرائعة ..
أسأل الله لي و لكم القبول و الثبات …

في غرفتي في سكن الحملة في منطقة العوالي .. كانت تشاركني امرأة في بداية عقدها الرابع .. قصيرة القامة ممتلئة البنية بشرتها بلون الكراميل .. جميلة الملامح ذات شعر ناعم بقصة قصيرة و خصل ذهبية .. لاحظت عليها بعض التصرفات التي لا تدل الا على شخصية متوترة تعاني كثيراً ..
كانت تبكي باستمرار ليس تأثراً و لكن حزناً .. تبكي و هي تتحدث على الهاتف مع أحد أفراد أسرتها .. لم تكن تشاركنا في صلاتنا الجماعية في المصلى و لا في التواجد أثناء المحاضرات الدينية او حلقات الذكر و التي تميزت بحضور العديد من رجال و نساء الدعوة الشهيرين من داخل المملكة و من دولة قطر التابعين لحملات أخرى ..

يجافيها النوم كل ليلة تبقى مستيقظة ترتب حاجياتها المرتبة أصلاً !! و في أوقات العبادة كانت هي في عالم آخر .. لا يبعد عنا جسدها سوى بضع أمتار و لكن عقلها يبعد آلاف الأميال .. أخبرتني أختي أنها لا تشعر أن هذه المرأة طبيعية فتصرفاتها و حتى محاور حديثها كانت غريبة ..

نحن في منطقة طاهرة و موسم عظيم .. أي دقيقة تذهب بدون ذكر الله فقد ضاعت .. الجميع مشغولون في العبادة و الذكر و الأحاديث الدينية و أعمال الخير .. لكن هذه المرأة تتحدث عن الأسواق و الأزياء و عالم الطبخ و النفخ .. كنا جميعاً نتحاشى الاحتكاك بها خشية أن يشغلنا الحديث عن الذكر ..

لاحظت أنها في أوقات التعب الحقيقي كانتظار الحافلات طويلاً للذهاب الى المشاعر أو المشي لمسافات بعيدة للوصول للحرم كانت تمرض بشدة و تستند على احداهن لتمشي .. و لكن في وقت الذهاب للسوق مع الحملة تتحول المرأة المتعبة المريضة الى شعلة من النشاط و الحيوية.. و قد زال عنها كل ما يمنعها من المضي الى التسوق ..
حاولت احداهن ذات مرة أن تتحدث بشكل عام عن أهمية الذكر في هذه الفترة أما الأسواق فهي منتشرة في بلادنا و ان لم نذهب خلال أسبوع مكوثنا هنا فلا ضير .. و لكن هذا النوع من الحديث لم يقنعها بالعدول عن فكرة التمسك بالذهاب للتسوق حيث أن هناك العديد من الأهل و الأقارب ينتظرون هدايا رحلة الحج!

لهذه المرأة ظروف اجتماعية غير مألوفة تعرفت عليها عن طريق احدى قريباتها اللواتي خرجن معها للحج.. فهي تعاني من زوج خائن تزوج عليها امرأة فلبينية كانت تعمل مصففة شعر في احدى دور التجميل المشهورة في البلدة .. استمرت علاقته معها حتى غادرت عائدة لوطنها فصار يسافر اليها بشكل دوري و يغدق عليها امواله و يدللها و يراعي مشاعرها .. وفي الوقت ذاته يترك زوجته تتقلب على فراش بارد و تُكوى بنار الغيرة و الشوق ليالٍ طويلة ..
فهي بالرغم من عشقها لزوجها و تضحيتها من أجله الا ان لسانها السليط و اسلوبها الانتقادي اللاذع دفعه للهرب لمن تحتويه و تفهمه و تحبه .. و هي لم تجد من يوجهها او يخبرها بأخطاءها و لكن وجدت من يقول لها (يا لهذا الرجل الخائن بالتأكيد معمول له عمل يجعله يتركك و يترك جمالك الآسر ليذهب لتلك الفلبينية العجوز)
عاشت معه أكثر من خمسة عشر سنة تظن انه مسحور لذلك فهو لا يصلي و لا يصوم و يعاقر الخمر و يسكر كل ليلة و ينهال عليها و على اولاده بالضرب دون حق .. و التفسير الوحيد لكل هذه المشاكل في كلمة “مسحور”

في بعض الأوقات كنت أتابع تصرفاتها دون أن تلاحظ مني ذلك .. ووجدت أنها تعاني من نوع معين من الاكتئاب فقد بدت بعض الأعراض واضحة بالنسبة لي مثل الشعور بالحزن و الضيق و النظرة التشاؤمية و قلة النوم و التوتر الزائد و التفسيرات الغير منطقية للأمور و المبالغة و تضخيم الأحداث و غيرها .. و أغلب الظن أنها قصدت رحلة الحج مع عدد من أفراد أسرتها كنوع من العلاج الروحي لما تعانيه .. فهمت أن رغبتها الدائمة للذهاب للتسوق هو نوع من التنفيس عن أشياء تختلج في نفسها تخنقها فتعذبها و هذا أيضاً عرض من أعراض الخلل النفسي ..
و من معها يعتقدون أنها أيضاً “معمول لها عمل” و أن زوجها “المسحور” كان يدس لها شراباً مسحوراً تعده العشيقة الفلبينية و صديقاتها من هن على شاكلتها ..
نسأل الله العافية لنا و لجميع نساء المسلمين ..

تعلمت ألا أعطي أحكاماً مطلقة على أشخاص لا أعرف تاريخهم أو ماضيهم .. و أن أعاملهم كما يحبون أن يعاملوا لا كما أحب أنا ..

Advertisements

6 تعليقات to “تأملات حاجة – في غرفة السكن”

  1. ـ أماراتيه ديسمبر 16, 2010 في 11:09 م #

    أوكيه حبيبتي هـالنوع من الشخصيات كيف ممكن طريقة التعامل معاهم؟؟
    وااااايد من اللي أعرفهن بنفس هالشخصيه.

  2. ينابيع الحكمة ديسمبر 17, 2010 في 12:15 م #

    رائعة .. كم استمتعت بتأملاتك في الحج ..

    ما شاء الله لا قوة إلا بالله , تمتلكين أسلوبا جاذبا غير ممل يا أحلى ..

    بارك الله فيك ونفع بك .. أختك / ينابيع الحكمة , مملكة بلقيس

  3. Um Asma ديسمبر 18, 2010 في 6:47 ص #

    مرحبا بعودتك اختي حلا،، ومبارك علينا عودتك السعيد للمدونة.

    اعتقد والله اعلم انه الوسواس،،،،

    واعاني منه،، لست شخصيا،، ولكن شخص يعز علي كثيرا

    اعتبرها والدتي الثانية،،

    يعز علي اراها تنطفي يوما بعد يوم،، وتمحي ابنائها

    والدتي الثانية،، على وضوء طول الوقت،، وصلاة وذكر
    ولكنها تتهم الكل بعمل سحر لها ولعائلتها وان الجميع يكرهها .

    وتردد كثيرا على اماكن المشعوذين،، وتتهم الكل من ياتي اليها بنصيحة ومساندة وتعزية،ن بان من يديه في الماء ليس كمن يديه بالنار،،

    ربي يهديها ويهدي جميع امة محمد،،

    وشكرا لعودتك ……..

  4. @ مالكة القلوب @ ديسمبر 20, 2010 في 6:52 م #

    صدقت لابد من التريث قبل الحكم على الآخرين

    سلمت يمناك عالمقالة الحلووة

  5. اشرف قبايل ديسمبر 27, 2010 في 1:26 ص #

    الحمدلله على العافيه
    وعلى النعمه

  6. رؤى يونيو 5, 2011 في 5:20 م #

    أعجبت جدا بتأملاتك في الحج
    ورددتيني إلى تلك الرحلة الممتعه وأجوائها الجميلة
    سعيدة بتواجدي هنا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: