نغم و رائد – قصة امرأة جنوبية و رجل شمالي

7 مايو

نغم ذات الوجه المدور و الخدود المتوردة … ليست نحيفة و ليست بدينة و لكنها تملك جسم ممشوق مليء بالمقومات الأنثوية الجذابة … عاشت مراهقتها كما تعيشها أغلب المراهقات … فكانت تقع بحب أبطال الأفلام الأجنبية الرومنسية أو المسلسلات المكسيكية المدبلجة أو بعض المطربين المشهورين بالرغم من دمامة مظهرهم … و تعيش مع هذا البطل في أحلامها الوردية … فتتخيله يرسل لها رسائل أو يحادثها بالهاتف … و تارة أخرى تتخيل أنها زوجته و أنها تعيش في بيته … و كم قضت من أوقات غارقة في أحلام اليقظة التي تعاني منها أغلب المراهقات … و لكن من نعم الله أنه أنعم عليها بوالدين حريصين و بيئة تربية سليمة … فكانت كلما حاولت أن تنحرف تجد يداً تتلقفها و تعيدها للمسار السليم … و كلما حاولت صديقات السوء معها لتنجرف في علاقة رومنسية مع شاب … تجد أباً يراقبها و أماً توجهها و تعلمها من دروس الحياة …

حتى أتى أخيراً الفارس الذي سينتشلها من هذا السجن المفروض عليها … و سيعوضها بحنانه و بعذوبة مجلسه عن كل ما تمنته … و أخيراً .. “رائد” أتى ليسقي هذه الزهرة الجافة و يغرقها بحبه حتى تينع و تتورد …

رائد مهندس برمجيات صاحب شركة كبيرة لتطوير البرامج … شخصية ناجحة و محبوبة … ناهيكم عن الوسامة و الجمال الشبابي الذي يتميز به … أحببته نغم عندما قابلته للمرة الأولى في بيت أقاربهم … حب من النظرة الأولى و لم تنتظر النظرة الثانية الا و كان وجهه قد تملك قلبها و فوراً جعلته الحبيب بطل حلم اليقظة التالي … الغريب أن رائد انبهر بها … و كان أكثر ما اعجبه فيها جسمها المنحني كعارضة أزياء من أصل مكسيكي …

و بعد تفكير سريع و عمليات حسابية قام بها رائد في عقله … أرسل أمه لتخطب له تلك الفتاة التي تشع أنوثة بالرغم من صغر سنها و قلة خبرتها … و كان الفارق كبير الى حد ما 11 سنة بين رائد و نغم … و هذا هو ما يريده رائد … أراد أن تكون فتاته صغيرة بالعمر و لم يسبقه أحد الى قلبها … فيستحوذ هو عليها و تعتاد على طبعه بسهوله … فهو يعرف ان لديه مزاج خاص و اسلوب حياة معين يجب على زوجته المستقبلية ان تعايشه دون اعتراض و عناد …

تروي نغم قصة زواجها الجميلة …

خلال فترة الاعداد لزواجي و هي فترة الخطوبة لاحظت أن رائد يملك عقلاً كبيراً … من الصعب ان يسايرني في أحلامي الرومنسية المتواضعة … لم أتوقع هذا الجمود و هذه الجدية … فلو أتى ليزورني يمكث ساعة او أقل ثم يستأذن و يهم بالخروج لقضاء المزيد من المشاغل او لمتابعة العديد من المشاريع … كنت أجهز انواعاً مختلفة من المشروبات و الحلويات و أتمنى أن يتذوقها جميعها ليخبرني كم أنا ماهرة بأعمال المطبخ … و لكنه يكتفي بتناول القهوة أو الشاي الخالي من السكر و يسألني اذ كان ينقصني شيء او اذا كنت أحتاج لشيء … و بيوم أرسل لي مع أمه هدية و هي جهاز هاتف محمول … كم تمنيت أن يهديني وردة بيضاء بجلسة رومنسية و تحت أضواء الشموع الحمراء …. يااااااه كم كان رائد انسان مختلف … ربما هكذا هم كل الرجال … ترى أين هو الرجل الذي من الممكن أن يغدقني بكلامه الرومنسي ليطفئ نار قلبي و حاجتي الملحة لسماع مثل هذا الكلام … و لكن رائد مشغول … أنا أعلم أنه يحبني … فكيف سيتزوجني لو لم يحبني …

“رائد … هل سيأتي اليوم الذي ستعبر فيه عن حبك … أم هل يا ترى … ستخفيه بقلبك و أبقى انا على عطشي و جوعي لكلماتك و همساتك و ستبقى صحراء قلبي قاحلة … تتمنى قطرة حب واحدة منك … ااااااه … ربما ستتغير بعد الزواج … ربما … ستتحق احلامي التي حلمت بها كثيراً …. بعد الزواج …”

تزوجت نغم من رائد لأنها تحبه … لأنها تمنت أن تعيش مع رجل يروي ظمأها و يشبعها حباً و عشقاً … تزوجت لتحقيق الأمن الذي كانت تنشده طوال حياتها السابقة … تريد رجلاً يعانقها و يداعبها و يقبلها صبح مساء … و عندما رأت رائد … ذلك الشاب الجميل الأسمر الفارع الطول … أتى ليغدق عليها الحنان و الحب و يتوجها ملكة على قلبه … وافقت فوراً … و بالتأكيد رائد قد انتظر هذا اليوم الذي سيتزوج فيه من فتاة كنغم … جميلة أنيقة بسيطة … تتحدث بخجل و دلع مميز … تضحك ببراءة شديدة و كأنها تعرفه منذ زمن … و أيضاً ذات مقومات أنثوية مثيرة … و منذ النظرة الأولى قرر رائد أن نغم ستصبح زوجته … و هكذا تم الزواج وسط زغاريد و فرح الأهل و زفت نغم لرائد … بعد أن ارتدت فستانها الأبيض بذيله الطويل … عندما رآها رائد لم يستطع أن يطيل النظر الى جاذبيتها فغض بصره و كأنها لازالت محرمة عليه …

تكمل نغم …

في يومي الأول … توقعت أن يجلس زوجي بجانبي و أنا أرتدي فستاني الناعم ذو الفتحات المثيرة … ليتأمل جمالي و ليصف مدى سعادته لأننا أخيراً قد جمعنا سقفاً واحداً و غرفة جميلة واحدة … و لكنه من سرعته لم أشعر بروعة هذا اليوم … و هكذا كانت أيامي … سريعة و عملية لدرجة مخيفة … حتى أنني صرت أشعر أن حياتي قبل الزواج كانت أجمل بكثير … كيف يقولون أن الزواج شيء جميل و أنا لا أرى ذلك! … و مع الوقت شعرت بفراغ عاطفي كبير و صرت أتمنى لو أعود لأيام أحلام اليقظة التي كنت أعيش عليها في مراهقتي … فهي أهون من هذه الحياة الفارغة … و لأن زوجي صاحب شركة برمجيات فكان يجب أن يتابع عمله ليلاً و نهاراً … لم أكن أراه الا ساعتان في النهار و ثمان ساعات ليلاً … و في الصباح أطلب منه أن أزور والدتي لأنني أشتاق لها لارى نظرات الاستهزاء في عينيه … فهو لا يعرف معنى الشوق و الحب … فيخبرني أنه لا داعي للزيارات الكثيرة التي لا معنى لها و مكوثي في بيتي أفضل … فأطيعه و أقضي نهاري كله في البيت أشاهد التلفاز أو …….. أبكي على ما وصل اليه حالي بعد الزواج … و أتمنى الطلاق … فأنا زوجة بالاسم فقط … و في ليلة صارحته … قلت له أنني لست سعيدة معه و أنني أريد الانفصال … نظرت له و تمنيت أن أرى تعبيراً واحداً أفهمه و لكني لم أر الا نظرات الاحتقار … صرخت بكل ما أملك من قوة : طلقني أنا أكرهك … ولم أجد الا كفاً ضخماً يهوي على خدي الصغير فيترك أثراً واضحاً …

ثم يخرج من البيت ولا يعود الا متأخراً بالليل … و قد أحضر معه شطيرة البيتزا التي أحبها… مع سلطتي المفضلة … يضعها أمامي و يفتح لي العصير و يقدمه لي و لا ينطق بشيء …. أتناول منه كأس العصير و يداي ترتجفان …

“يا الهي كم هو غريب هذا الرجل … هل يا ترى قد نسي ما قام به اليوم معي …”

ثم أبكي … و لكنه لا يحب أن يرى الدموع … فأتمالك نفسي و أرتجف … و لأنني لا أريد أن يرى حزني … أبلع المي مع العصير الذي في يدي … و أبكي بداخلي …

“ما اقسى حياتي … كم هو مخيف هذا الرجل … كم هي حياتي تعيسة …”

و … أبكي بصمت … و في الليل … قررت أن أنام بعيداً عنه … ليس لأنني لا أحبه و لكن لأنني أريد أن أجهش بالبكاء و لا أريد منه أن يسمعني … فانتظرته حتى نام و خرجت للصالة … ألقيت نفسي على الصوفا و بكيت بحرقه … و عندما استيقظت وجدته قد نام بجانبي على الأرض بدون فراش ولا غطاء … ثم عرض علي أن ياخذني لأمي كي أقضي لديها وقتاً ممتعاً … لم أعلم أن رائد كان يعتذر … البيتزا … النوم على الأرض … ذهابي لأمي … كل هذه الأمور تعني أنه “آسف” و لكنه لا يستطيع أن ينطق بها … هو فقط لا يستطيع … حتى أنه في الليل عندما جاء لاصطحابي من بيت أبي … أحضر لي هدية جميلة … زجاجة عطر فاخرة و قميص نوم مخملي رائع … و عندما بردت و أنا نائمة أحضر غطاءً وردياً دافئاً و لفني به … و لكني يا زوجي أحتاج لحضنك كي يدفئني … أحتاج لصدرك عندما أبكي … أحتاج لكلماتك عندما أغضب … أحتاج لقبلاتك و نظراتك و همساتك … و ليس الى عطر و غطاء و لباس … يا الهي كيف سأجعله يفهم !!!!!

و لأنه لا يريد أن يطلقني و لأنني أحتاج لكمية حب لا يستطيع رائد أن يمنحني اياها … فسأبحث عنها عند غيره … و هكذا دخلت عالم الانترنت من أوسع أبوابه … أتنقل بين صفحاته أبحث عن حبي الضائع و فارس أحلامي … الذي سأترك رائد من أجله … فهو موجود في مكان ما ينتظرني لذلك سأبحث عنه بنفسي … و أخيراً وجدته … وجدت الشاب الذي منحني كل الحب الذي أتمناه و أغدقني بكلماته العذبة على برنامج المسنجر … و الذي كنت أمتنع عن زوجي ليلاً من أجله و أذهب للقائه … فأشعر بسعادة في صحبته و نشوة بين كلمات حبه و عشقه … حتى ظهر ذلك الذئب على حقيقته … و بدأ يطلب مقابلتي في مكان ما … و كنت سأستسلم لولا رحمة الله بي أن هداني في اللحظات الأخيرة … تذكرت توجيهات أمي و حرص أبي … تذكرت الله … خفت … و فكرت في رائد … الذي وفر لي الانترنت و الكمبيوتر و كل وسائل الراحة فقط لأكون سعيدة … و الذي لم يكن ينام حتى يتأكد أنني مرتاحة … و لم يسافر الا و تأكد أنني لا أحتاج لشيء في غيابه … و أخيراً فهمت هذا الرجل … اقفلت جهازي و مشيت لغرفتي لأنظر لزوجي … و للمرة الأولى رأيته كالطائر الجريح و أنني السبب في جرحه و أذيته …

“يا الهي كيف استطعت أن أفعل هذا بك يا رائد بعد كل ما قدمته لي … ليس ذنبك أنك لا تستطيع ان تعبر عن مشاعرك بالرغم من قوتها و عمقها …”

طأطأت رأسي و بكيت حزناً على نفسي … ذهبت مسرعة و أخرجت قميص النوم المخملي لبسته و رششت العطر المفضل لزوجي و دسست نفسي بجانبه احتضنه و اقبله و أطلب منه السماح … و شعرت بهذا القلب الكبير الذي يختفي بين هذه الضلوع الضخمة … انه قلب حبيبي و زوجي الغالي … أنا فقط لم أفهمه …أنا المذنبة أنا العاصية … فاغفرلي يا حبيبي و تقبل حبي و اخلاصي الأبدي المؤبد فقط لأجلك … و لأجلك أنت فقط ..
اليوم أكمل السنة الثامنة من زواجي برائد … ذلك الرجل الرائع الذي لم أكن أفهمه و لم أفهم حاجته للخصوصية و التقدم و النجاح … لم أعلم أن غذاء روحه هو عمله … لم أفهم أن طريقته بالحب تختلف عن طريقتي … لم أعرف أن كلمة “أكرهك” جرحته بعنف فهو انسان حساس جدا و قلبه مرهف … و لأنني بدأت أقترب منه و أشعره بالحب و الدفء … صار يحتضنني هو بدوره و يعوض حاجتي بحنانه … تعلمت ان رائد رجل عظيم … حتى أنني أخجل من نفسي ألف مرة كلما أتذكر خيانتي له بالتكنولوجيا التي وفرها لي بنفسه … فأذهب اليه أحتضنه و أقبله و أطلب السماح … ينظر لي بتعجب … فهو لا يعرف عن ماذا يسامحني … و لكن تكفيني نظرة عينيه الساحرتين و يكفيني أن يبادلني بالاحتضان و القبلات …

Advertisements

16 تعليق to “نغم و رائد – قصة امرأة جنوبية و رجل شمالي”

  1. fdwa مايو 9, 2010 في 5:20 ص #

    ياه
    قصه رائعه
    الحمدلله انها رجعت للصواب ولم تتمادى في الخطأ
    .
    .
    .
    🙂

    • (A7LA) مايو 11, 2010 في 12:01 م #

      يسرني اعجابك

      و مرحباً بكِ دوماً

  2. ليت العمر مسجد يونيو 6, 2010 في 3:41 ص #

    شكرا قصه رائعه وفعلا الحمدلله ربي هداها..
    تذكرني
    بنفسي وبزوجي من حيث المعامله والشخصيات
    ياالهي كم هو صعب اتفاق هذه الشخصيتين!!!

    • (A7LA) يونيو 14, 2010 في 9:12 م #

      ليس الامر بالصعب غاليتي
      يمكنكِ أن تتقربي من زوجك الشمالي و ان تدربيه على حبك و الاحساس بمشاعرك
      ستجدينه قاسيا في كثير من المرات
      و لكنه من الداخل طيب القلب حنون عطوف لا يحب ان يزعلك
      اخبريه عن مصدر سعادتك كي يحققها لكِ
      وبالتوفيق دوما

  3. أحبك يا أحلا يونيو 6, 2010 في 8:49 م #

    رووووووووعه مذهله أنتي يا أحلا مذهله

    • (A7LA) يونيو 14, 2010 في 9:12 م #

      لكِ شكري وودي 🙂

  4. زهرة الليلك يونيو 7, 2010 في 10:41 ص #

    بسم الله الرحمن الرحيم
    كم هي غريبة هذه الحياة
    فعلا قصة رائعة واعجبتني رغم بعدي عن احداثها الا انني تعلمت ان اعطي زوجي حقه في التعبير عن نفسه كما يريد لا كما اريد
    بارك الله فيك يا احلى احلى والى الامام
    زهرة

    • (A7LA) يونيو 14, 2010 في 9:14 م #

      شكراً لكِ غاليتي زهرة
      كم تسعدني و تحمسني تعليقاتك

  5. ام إياد يونيو 12, 2010 في 2:46 ص #

    قصة رائعة جدآ

    • (A7LA) يونيو 13, 2010 في 7:11 م #

      اشكرك عزيزتي و حياك الله دوما

  6. دلع وحلا يونيو 12, 2010 في 9:00 م #

    قصه رائعه تلفت الانتباه شكرا يا احلى
    الله يعطيك العافيه يارب

    • (A7LA) يونيو 13, 2010 في 7:18 م #

      لكِ شكر وودي
      تسعدني متابعتك
      🙂

  7. Aisha يونيو 14, 2010 في 9:09 م #

    قضيت لحظاات ممتعة
    جميلة جداً هذه القصة وفيها تلميحة رااائعة
    أحلاا ,, يعجبني تنوع أسلوبكِ في توصيل المعلومة
    أتمنى لكِ التوفيق والسداد من كل قلبي

    • (A7LA) يونيو 14, 2010 في 9:15 م #

      و يعجبني حضورك الذي ينير مدونتي
      فقد اعتدت على تواجدك غاليتي و تساءلت كثيراً عنكِ بيني و بين نفسي
      اسال الله ان ينفع بما اقدم و اطرائك لي يشرفني

  8. Hanaaooooo أغسطس 27, 2014 في 4:32 ص #

    وااااااااااااااااااااك

  9. نوف سبتمبر 25, 2015 في 3:26 ص #

    قصة رائعه عجبتني كثير
    زوجي شمالي وانا جنوبية زوجي بخيل مايعطيني مصروف الشهر جربت كل الطرق وما فادت ايش هي الطريقة اللي اطلب من زوجي فلوس وما يرفض
    يالبت تساعدني

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: