من أوراق زوجة فاتها قطار السعادة الزوجية

4 يناير

عبير فتاة عادية جداً … تملك جمالاً عادياً وجهاً صغيراً و قواماً نحيلاً … لم يميزها شيء الا أنها خلوقة مؤدبة رباها والداها على الأخلاق الحميدة و بعض الأحيان فرضوا قوانين متشددة ليحافظوا على ابنتهم و يجعلوها تتجنب الوقوع في الخطأ …

تروي قصتها بحماس و حزن و حب و شوق ….

أحمد … ابن عمي و محط أنظار جميع فتيات العائلة … في الحقيقة لم أتأمل بيوم من الأيام أن أكون زوجته … كان شاباً يافعاً … أبيض الوجه … أسود الشعر ذو حاجبين يدلان على الرجولة و الشهامة و النبل … نظرات عينيه ساحرة تعكس ذكاءً حاداً … كان فتى الأحلام بالنسبة لكل قريباتي … و كان له حضور مميز خاصة بين رجال العائلة الكبار و ذوو الشخصية المهمة و الرأي السديد …


و لأن أحمد كان وحيد أبويه فكان لزاماً منه أن يتزوج ابنة عمته الوحيدة التي هي أنا لكي يحافظ على الورث العائلي الضخم و ليتقلد بعاداتنا الموروثة … و حتى لا تخرج هذه الثروة لخارج العائلة …

أنا فتاة صغيرة لم أكن قد تجازوت الثامنة عشر حين قدمت أمي لغرفتي و شرحت لي أنها و والدي و عمي و زوجته يرغبان بأن أزف عروساً لأحمد …

بلغت بي السعادة مبلغاً عظيماً لأن أحمد يريدني … بالرغم من أنني أعرف أنه قد لا يملك خياراً … و أنه حتى لا يعرف شكلي ليطلبني للزواج … فتراجعت فرحتي و قلت رغبتي فيه … و لكن لا خيار أمامي أنا أيضاً … فالرأي رأي أبي و عمي ….

هل سأتزوج أحمد حقاً ؟؟ أم أن أحمد سيختار أن يتركني و لن يرتبط بي …

يعمل أحمد طبيباً جراحاً في احدى المستشفيات يبلغ 27 سنة من العمر … درس في الخارج و عاد ليرفع رأس والديه عالياً و ليكون فخراً للعائلة …

أسلوب حياته لم يتغير كثيراً فقد ضل محتفظاً بقيمه و شيمه و العادات التي عوده أبوه عليها … إلا أنه تغير في لبسه و طريقة كلامه و مشيته … كنت أراقبه و أنا صغيرة لأنه كان يكبرني بتسعة أعوام … فأذكر شقاوته و لعبه و اختفائه عن الأنظار ليسبب القلق الشديد لأمه … حتى يأتيه خبر خوفه عليها و هو سعيد خارج البيت يلعب كرة القدم مع أصحابه في حي آخر… فيعود سريعاً ليظهر ويحتضنها و يطمئن قلبها …

أما أنا فما زلت في عشي البيتوتي الصغير … تأملت أن أتزوج بيوم من الأيام و لكن ليس بشخص طموحه كطموح أحمد … أنا انسانة بسيطة أريد شخصاً بسيطاً مثلي … يحتمل كما أحتمل …. و لا يكلفني فوق طاقتي …. لا أريد شخصاً أسابق نفسي لأصل لمستواه الفكري و العلمي ….

“ترى هل أنشأ أحمد علاقة حب مع احداهن خلال سنوات دراسته في تركيا …”
“بالتأكيد أنه جرب بعض الأشياء المنافيه لما تعودنا عليه …”
“لماذا تأتيني هذه الأفكار الشيطانية ؟؟؟”
“ربما هو شاب نظيف مؤمن سيخاف الله بي و سيرعاني …”
“لو أحمد نصيبي فسأتزوجه و لو كان خيراً فسيختاره الله لي ….”

لم يتعد تفكيري تفكير طفلة لم تجرب إلا الأيام الوردية السعيدة … ظننت أن الزواج حب و عطاء و تضحية و مشاركة … ظننت أنه عواطف و مشاعر و كلمات و أشعار و خواطر …

كنت أظن أن بطلات قصصي الطفولية نموذج لكل امرأة متزوجة … و أشعار الحب النبطية هي لغة المحادثة بين المتزوجين … و الحياة مشاركة … المال لا يهم … الأطفال غير مهم … المهم أنني مع زوجي و زوجي معي … لم أكن أعلم كيف هي نظرة الرجل للمرأة و ماذا يتمنى الرجل في زوجته … لم أفكر بيوم أن الوضع المادي مثلاً ممكن أن يؤثر على الرجل … ربما بسبب بيئتي الثرية التي تربيت فيها … كنت أفكر و أتخيل كم ستكون حياتي جميلة بين أحضان زوجي …. لم أتصور أن للرجل حاجات و حاجات و صولات و جولات و … حبيبات …!!!!!!!

أمسكت قلمي الوردي … كم أحببت مجموعة الريش المتعلقة في نهايته … و كم أدمنت الكتابة فيه … فقد شاركني ذكرياتي البريئة حينما استخدمته في كتابة مذكراتي المؤلمة في المدرسة … فتحت دفتري المخملي … و رسمت زهرة بتلاث وريقات ثم لونت وقة واحدة لا أعلم لماذا لم أكمل تلوين باقي الورقتين !! … ثم بدأت بتقسيم الصفحة قسمين … ووضعت عنوانين “الايجابيات” و “السلبيات” … و كتبت الحسنات التي سأجنيها من وراء زواجي بأحمد تحت العنوان الاول … كانت خطوة مني لأقنع نفسي بأحمد … الحقيقة انني لم أجد ما يقلقني من زواجي به … شهادتي ليست بأهمية الزواج و السكن و الاستقرار … ثم انني سأحاول اكمال ما تبقى لي من سنوات جامعية … إذن لا خوف على مستقبلي باذن الله …

ماذا أجني من هذا الزواج ؟؟

شاب جميل وسيم و خلوق و من عائلتي سيحترمني و يدللني و ربما يأخذني لزيارة جامعته بتركيا و يعرفني على الأماكن التي كان يرتادها … أتوقع انه سيأخذني لتناول الأيسكريم و الكيك كل ليلة … ربما لن ننام و قد نسهر تحت ضوء القمر نتلاطف و نتبادل أطراف الأحاديث الشيقة … ياااه كم ستكون الحياة جميلة و عذبة معك يا أحمد … و أخيراً سأجد الشخص الذي سيتشارك معي حياتي و يأخذني لعالم الخيال و الحب و الفستان الأبيض و الفرس العربي الأصيل الذي سيأخذني عريسي فوقه …

تفكير طفله حالمة واعدة متأثرة بقصص شهرزاد و سندريلا و أبطال المسلسلات و الأفلام الرومنسية …

أحببته لأنني بدأت أفكر به …. و أتي حبه فصادف قلباً خالياً صافياً حالماً فتمكن منه …

أتاني طيف أحمد و أنا المراهقة التي تتلمس الحب و العشق و الهوى … فهمت به عشقاً و صرت كعصفور صغير يقلى على نار الهوى و الشوق لأحمد …

أتاني هواه قبل أن أعرف الهوى … فصادف قلباً خالياً فتمكنا…

شهرين فقط و تم زفافي لأحمد … بالرغم من أنني لم أره و لم يراني و لم أحادثه و لم يحادثني مما سبب لي الحياء الشديد و أدخلني في حالة اللاوعي … أعلم أنني أحببته و لا أعلم كيف يفكر أحمد بعبير و ماذا يعتبرها ….

ربما هي مجرد زوجة أجبرته العائلة عليها … و ربما أحمد شاب ملتزم أحب أن يكمل نصف دينه و سمع عني و عن التزامي فرغب بالارتباط بي …

المهم أنني تعلقت به دون أن أعاشره … أو أحادثه أو حتى أجلس معه ولو لمرة واحدة

في ذلك اليوم … لبست فستاني الأبيض المطرز بالخيوط الذهبية و المتكون من قطعتين … لم أعلم أنني سأبدو بهذا الجمال … صرت ألتفت يميناً و يساراً أمام المرآة و الضحكة تملأ فاهي الصغير … طرقات خفيفة على باب غرفتي قطع علي اندماجي مع الفستان … انها أمي تريد الاطمئنان علي و مساعدتي في لمساتي الأخيرة …

كنت أرى الدموع تترقرق في عيني أمي فلم أتمالك دموعي و ألقيت نفسي في حجرها الدافيء لتغمرني بحنانها … فالتوتر يغلب علي و الخوف يحيط بي … لم أستطيع أن أتكلم و لم تستطع هي أن تقول شيئا … فعم الصمت المكان … و كلتانا نعلم أن حياتي ستتغير و أنني لم أعد طفلتها المدللة … أعطتني هذه اللحظات مع أمي بعض القوة و الجرأة و دفعتني لأقوم بهذه الخطوة …

صرحت لأمي برغبتي برؤية أحمد قبل الحفل … و طلبت منها أن تدخله الى غرفتي لنجلس معاً دقائق قليلة … كفيلة بتهدئة خفقان قلبي الشديد … و عندما أطل علي هوى نفسي و أمل المستقبل … زادت الخفقات و سرت برودة شديدة و سريعة بكل أجزاء جسمي تمركزت بأطرافي …

رأيته يقترب مني … مد يده يدعوني للوقوف … كنت أخشى أنني ان وقفت فلن تحملني قدماي الباردتان كالثلج … اقترب مني و همس بأذني “أنتِ حقاً جميلة..” … رسمت ابتسامة صغيرة و رفعت نظري اليه … ثم تمالكت نفسي ووقفت أخيراً … كنت أفكر … “كيف سأمشي معه ؟؟!!” … مد يده العريضة و أمسك يدي كأنه يريد أن يطمئنني و يبعد عني تفكيري المستمر بالسقوط …

و هكذا مضى اللقاء الأول … نظرات و ابتسامات مع أنني تمنيت منه أن يكلمني يسألني عن أحوالي على الأقل … و لكن لا يهم فالحياة أمامنا طويلة … بالتأكيد سيزيد الحديث بيننا مع الأيام … و أظن أنه كان متوتراً و متلعثماً مثلي تماماً … لذلك فأنا أعذره …

علمت من ليلتي الأولى مع أحمد أنه لم يكن شاباً عادياً بل كان حنوناً جداً… و عندما لمس خجلي و حيائي لم يحاول معي بالرغم من أنني رغبت أن يحاول و لكنه راعى شعور هذه الصغيرة التي تزوجها …

و بعد أسبوع من زفافي استطاع أحمد أن يداعب المرأة الناضجة بداخلي و تقرب مني و كانت من أجمل أيام حياتي …

و في صباح يوم جميل …

-“أحمد .. لماذا اخترت أن تتزوجني …؟”

رد ضاحكاً : “لماذا لا أتزوجكِ ؟؟ ما العيب فيكِ؟؟”

ابتسمت له رغم استغرابي من هذا الرد و أكملت :”أقصد لماذا أنا بالذات؟ … و يوجد فتيات أخريات في العائلة؟”

-“لانك من نصيبي كما أظن ..”

-“كنت أعتقد أن من يدرس في الخارج قد يتعلق قلبه بزميلة دراسة و يتزوجها …”

صمت قليلاً ثم استطرد :”ليست كل النهايات واحدة … و ليست جميع الأماني قد تتحقق …”

-“ماذا ؟؟ و هل هناك أمنية لك لم تتحقق ؟؟؟”

ابتسم و أمسك يدي قبلها و قال : “أنا الآن أتمنى أن أنشىء معكِ عائلة صغيرة جميلة … “

سحبت يدي من بين يديه بحزن لازمني لباقي اليوم … حتى أتتني فكرة أراحت عقلي … أنني أنا التي فزت بأحمد و غيري يتمنى ذلك و يالها من نعمة … حمدت الله و شكرته و أبعدت عني الشك و الظنون …

لم أر شاباً جذاباً كأحمد … في عمله صارم و جاد و دقيق … و بنفس الوقت حنون و طيب و يحب الخير … في البيت يساعدني و يحمل عني من أعباء المنزل … يداعبني في الصباح و المساء و يحتضنني بحب … جعلني أهيم به عشقاً و حباً حتى أصبح هوائي الذي أتنفسه و عيني التي أرى الدنيا بها … أما مشكلتي الكبيرة معه كانت الصمت و التهرب … لم يستطع أحمد يوماً أن ينظر مباشرة في عيني و يصارحني بمشاعره نحوي … كان يهرب من أصغر المواقف و أقلها وقعاً على النفس … فكم من المرات أهملني و تجنب مناقشاتي حتى في غرفة النوم … و بالرغم من ألمي من تصرفاته و اهماله … كنت دائماً أعذره و أسامحه … فحبي له هو سيد الموقف … و لا أنكر صفاته الحسنة مقابل صفة سيئة … هو زوجي و عشيري … لن ألومه … فقد يتغير بيوم من الأيام …

حملت بعد أربعة أشهر … و في فترة الحمل تمتعت بحنان زوجي حتى الثمالة … و غرفت من حبه بقدر ما أستطيع أن أغرف … لم أكن أعلم أن أيامي الجميلة مع أحمد ستصبح ذكريات و سأذرف عليها الدموع في يوم من أيامي المستقبلية… و مع تمام السنة الأولى من زواجي … أنجبت بنتاً تشبه أباها الذي أصر أن يسميها “دانة” … لا أدري من أين أتى بهذا الاسم و لكنه بجميع الأحوال أعجبني و أحببته كما أحببت صاحبته الصغيرة … دانة دودو دندن كما صرت أناديها … ابنتي الجميلة … أحمدك ياربي أن أرسلت لي بنتاً أتأمل لها الصلاح … و أرى فيها أختاً لي رغبت بها طوال سنين حياتي … صرت أستيقظت في كل صباح أتفقد أطراف و أصابع ابنتي الصغيرة … خفت عليها من كل شيء حتى من نفسي و من أبيها … كنت أعد الدقائق لها و هي نائمة … أنتظرها لتستيقظ و ترسم لي ابتسامتها العذبة … فأرسل لها قبلة في الهواء لأني أخاف ان قبلت جبينها سأتسبب بأذيتها … طفلتي الصغيرة … تكفيني نظرات عيونها البراقة لتبعث بي الأمل و الحياة مع اشراقة شمس الصباح …

و بعد أن بلغت دانة الأشهر الثلاث رزقني الله بالحمل للمرة الثانية … لأنني أعرف رغبة أحمد بالولد… كما أنه وحيد أهله و الجميع يتمنى أن يرزقه الله بالذكور … دعوت الله كثيراً أن يرزقني ذكراً و أن يكون صحيحاً كاملاً معافى … و استجاب الله دعائي فبعد سبعة أشهر من الحمل و عملية قيصرية … رزقني ابني “محمد” نسخة أخرى من أبيه …

فرح أحمد و أهله و أهلي بهذا المولود … ربما فرحوا أكثر مني أنا أمه … حمدت الله و شركته و دعوت أن يرزقني بر ابني محمد … صرت أنظر اليه فأرى نظرة الرجل في عيني هذا الصغير … فسألت الله أن يجعله من الصالحين … و أن يحفظه لي و يقر عيني به … و أن يبلغه مبلغاً حسناً طيباً … و عاهدت ربي و نفسي أن أبذل كل ما في وسعي لتربية طفلاي … تربية يرضاها ربي …

و مع ظروف حملي وولادتي لاحظت أنني لن أستطيع الاستمرار في دراستي في الكلية … فاعتذرت عن انتسابي و توجهت للاهتمام بأطفالي … حتى بلغ ابني محمد السنة من عمره … و بدأ يمشي خطواته الأولى … فرحت به و أقمت له حفلاً عائلية صغيراً … كانت مبادرة مني لأثير مشاعر زوجي و أشاركه فرحتنا البريئة …سعدت و أطفالي بتواجده معنا في هذه الليلة و ظننت أنها كانت رغماً عنه أو حتى يرفع عن نفسه اللوم مني و ربما من نفسه أيضاً … و لكنه أثبت لي عكس ذلك … فمع نهاية هذا الليلة الجميلة … تشاركت مع أحمد لحظات عائلية حميمة عندما أصر على مساعدتي أثناء استحمام الأطفال و تجهيزهم للنوم … و لن أنسى فرحة دانة عندما احتضنها أبوها لتنام على صدره و بين كتفيه العريضتين …

قلت له مبتسمة -“لم أكن أعلم أن تملك هذه المشاعر تجاه أطفالك؟”

رد و هو يتفحص الأرقام في جواله -“و لماذا؟”

-“أقصد أنك لم تشاركنا يوماً كهذا من قبل..”

-“ربما لم أجد فرصة ..”

نظرت اليه باعجاب و قلت له -“و لكنه كان يوماً جميلاً..”

و كنت أود أن نكمل حديثنا و لكني لاحظت أنه يستعد للنوم … فاخترت عدم المحاولة … يكفيني ما كان منه اليوم …

في تلك الليلة نمنت قريرة العين و في داخلي سعادة لا توصف … حمدت الله و شكرت فضله أن رزقني هذه الليلة الجميلة مع زوجي الغالي…

أحمد ذلك الشخص العطوف الذي لم يؤذيني بكلمة منذ أن تزوجني … و لكن صمته القاتل بازدياد … كلامه نادر و حروفه قليلة … يحب أن يختلي بنفسه كثيراً في البيت و اذا حادثته أو طلبت منه شيئاً فلا يجيب أو أنه قد يرد ردوداً مختصرة و قصيرة … 

فبالرغم من تعدد صداقاته و حبه للخروج و السهر و أحياناً لشرب غريمتي الشيشية … و لكنه لا يحادثني كثيراً إلا لو طلب مني فنجان قهوة … لا أذكر أنه باح لي بموقف حدث له في العمل أو بقصة حدثت معه أثناء غربته … كلامه قليل و صمته أكثر … و لكنني أراه يتحدث على الهاتف و يضحك و يكون في قمة سعادته!! … تعجبت كثيراً!!.. و تأملت أن يكون كذلك معي فأخذت أحاول أن أجذبه لمحادثتي … فأنا لا أصل بعلمي المتواضع لمستوى ثقافته و علمه … صرت أفكر أن أتعلم مثله و أشاركه النجاح … و أعاود انتسابي للكلية …

و في مساء يوم دافيء … و بينما أحمد يرتدي ثيابه مستعداً للخروج … أتيت من خلفه و حاولت أساعده في ترتيب ملابسه … و ذلك لأبدأ معه حواراً قصيراً …

-“أنت تعرف أن أتمنى الحصول على شهادة جامعية .. و أنا حقاً راغبة بالالتحقاق ثانية بالكلية .. ما رأيك؟”

-“فكرة جيدة جداً .. “

-“و لكن الأطفال ؟!”

-“لا تقلقي فعندما يحين وقتها سنجد حلاً..”

-“هل ستساعدني في تحقيق هذا الهدف ؟”

-“يمكنك الاعتماد علي ..”

-“هل تعدني؟”

-“!!!!” … لم يجبني و اكتفى بهز رأسه بالايجاب …

لمعت دموع الفرح في عيناي و سعدت كثيراً بموقفه الذي توقعته منه … فقد كان يرغب أن أتعلم بقدر ما كنت أرغب … نظرت اليه نظرة شكر و اعتراف بالجميل ووعد ببذل المستطاع و الجهد الكبير …

منذ أن تزوجت أحمد كان له صديقاً كنت أكرهه كرهاً عظيماً … و هو ذلك الجهاز … جهاز الكمبيوتر … و الآن لأحمد جهاز واحد من فئة أجهزة المكتب و جهازين محمولين أو ما يسمى باللاب توب … بالرغم من أنه طبيب إلا أنه كان يتمنى أن يكون مهندس كمبيوتر و طور هذه الهواية فأصبح خبير بكل ما يخص هذا الجهاز … و كم كرهته و كرهت الانترنت و لكن لا مفر ولا سبيل للهروب … فكم من الليالي أغلق على نفسه غرفة المكتب و جلس الليل بطوله أمام هذا الجهاز … و كم تساءلت ما هي الأمور التي تشغل أحمد …؟؟ و ما هو هذا العالم الذي يأخذه مني …؟؟ و هل هو بهذه الأهمية …؟؟؟

أخيراً قررت أن أتعلم استخدام الكمبيوتر و أدخل عالم الانترنت كما أنني سألتحق بجامعتي لأكمل تعليمي و الحصول الشهادة الجامعية … بالرغم من أنني فزت بأحمد و لكنني لن أجعل الزواج عائقاً لدراستي … و لن أدع شيئاً يقف أمام طموحي … فانتسبت لقسم المحاسبة و ادارة الأعمال … و كان دوامي مسائياً … مما ساعدني كثيراً على الاعتناء بالأطفال صباحاً و تركهما لوالدهما مساءً ساعات قليلة … أياماً كثيرة مرت كان يسهر بها أحمد مع أطفالي ليترك لي مجالاً لأذاكر و أنام … كما كان يعتذر عن بعض مناوباته ليجالس الأطفال بينما أنا أذهب لقضاء امتحان لي بالكلية … ساعدني كثيراً و تحمل المسؤولية كما وعدني تماماً بالرغم من تذمره بعض الأحيان … الا أنني لم أكن أستطيع أن أنهي دراستي لولا توفيق من الله ثم وجوده بجانبي و مساعدته لي … و لكننا كلما كنا نقترب يوماً … نبتعد أياماً كثيرة …

و مازال جهاز الحاسوب عدوي الذي يأخذ أحمد مني في ليالي كثيرة باردة و مخيفة … و كلما أدمن أحمد الانترنت كلما زادت رغبتي لدخول هذا العالم … حتى تجرأت و قمت بخطوتي الأولى لاكتششاف السر الغامض وراء حب زوجي لهذا العالم … و عند خروجه من البيت ليلاً … تسللت لغرفة المكتب و فتحت جهاز الكمبيوتر علني أستطيع أن أعرف ما هو السر الذي يجعل أحمد متعلق بالانترنت … دخلت الغرفة و أنا في حالة خوف و ترقب … أخاف قدوم زوجي ليطلع علي و أنا أفتش من وراءه … فصرت أراقب الباب و بنفس الوقت أحاول فتح هذا الجهاز الالكتروني … و أخيراً فتحته و بدأت بالتنقل بين برامجه و ملفاته …

فوجئت بالعديد من الملفات و الصور لأحمد و أصدقائه في رحلاتهم البرية و الخارجية … و صور له مع مرضاه بعد نجاح عملياته الجراحية … و أيضا صور شقراوات بجانب أحمد أثناء مؤتمراته بالخارج … كما يوجد الكثير من صور لأطفالي دانة و محمد …. أخذت أنظر لكل هذه الصور التي يحتفظ بها أحمد …. و لفت نظري صورة قميص نوم أسود شفاف قصير جداً يكاد لا يخفي شيئا من الساقين … مكشوف الصدر و الظهر … تلبسه عارضة سمراء … و كانت له صورتان من الأمام و الخلف … أعجبت به كثيراً … فما بالكم أحمد؟؟

ترى ما قصة هذا القميص الأسود و لماذا يحتفظ أحمد بهذه الصورة …؟؟

كنت أنظر لجسم هذه العارضة السمراء … طول فارع و قوام ممشوق … جسم مثير و مغري … تذكرت حب زوجي لهذا النوع من ملابس النوم … و استرجعت حواراً دار بيني و بينه في الزمان القريب حول هذا الموضوع … عندما سألته …

-“ما هو أكثر ما يغريك في ملابسي .؟”

أجاب فوراً و كأنه كان مستعداً للسؤال – “قميص نوم مميز ذو طابع جميل و مغري!”

و بينما كنت أسترجع حواري مع زوجي … سمعت صوت إغلاق باب المنزل … فسارعت بالضغط على زر الجهاز الأخضر لأقفله و ركضت بسرعة الى غرفتي متوجهة لغرفة ملابسي و أخذت أبحث عن قميص نوم لونه أسود … سمعت خطوات أحمد و هو يصعد سلم البيت الى الطابق الأول … فتوجهت للباب بسرعة و أحكمت اغلاقه … ثم عدت لخزانتي و أنفاسي تتسابق و تكاد تنقطع .. أخرجت قميص نوم أسود قصير وشبه شفاف … مزموم من عند البطن و يظهر بروزاً مثيراً للصدر و الذي قمت بوضع بودرة لامعة عليه … و نثرت بودرة جسم لامعة على الأرجل و الفخذين … رششت العطر و انتظرت … طال انتظاري و أحمد لم يأت للغرفة و لم يحاول حتى دخولها … أنرت شمعة صغيرة و فتحت الباب … أخذت شمعتي و خرجت من الغرفة … و بهدوء توجهت الى غرفة المكتب نظرت من فتحة المفتاح لأراه يجلس على جهازه يدخن سيجارة و يبتسم وهو ينظر لشاشة الكمبيوتر …

أدرت وجهي و سندت ظهري على الحائط بجانب باب الغرفة أحبس دموعاً حزينة لا أدري ما سببها … فزوجي هذا طبعه منذ زواجي به … ما الجديد الآن؟ لماذا هذه الدموع؟ لماذا هذا الحزن؟ رفعت ناظري للسماء راجية الفرج القريب … توجهت لغرفتي و قد لملمت دموعي … أحس بالانكسار و قد خذلت نفسي … و لكن …!!

و لكن لا … لن أسمح لهذا الوضع بالاستمرار … ليس الليلة …

وضعت شمعتي في زاوية الغرفة و سكبت كوباً من الماء … حملته و توجهت الى غرفة المكتب و أنا أطفأ ناراً مشتعلة في قلبي و حقداً دفيناً على جهازالكمبيوتر … طرقت الباب فتحته و دخلت دون أن أسمع إذناً منه بالدخول … دخلت و أنا أخفي الحزن و أتصنع الأنوثة و الدلال …

مشيت إليه و أنا أعد خطواتي … رأيته ينظر الي بانبهار و قد اخفى ابتسامة سعادة و اثارة في آن معاً … و عندما أصبحت بجانبه … مددت يدي اليمنى مقدمة كأس الماء البارد إليه و هو جالس على كرسي المكتب … فوضع يده على يدي و أمسك بيده الأخرى يدي اليسرى … فهمت أن لبسي و دلالي أثاره و أغراه … فأشار برأسه إلى الباب … نظرت في عينيه و ابتسمت … فهمت اشارته … سحبت يداي و أسرعت نحو غرفتي … رشف أحمد من كأس الماء رشفة واحدة و تبعني … أغلق باب الغرفة … و أطفأ نور الشمعة … و نام بجانبي أخيراً …

استمر حالي بالتسلل لغرفة المكتب و دخولي لجهاز الكمبيوتر الخاص بأحمد … و في كل مرة أدخل و أفتش في جميع الملفات و المجلدات علني أصل لشيء مريب ضد أحمد و لا أجد أي شيء … و مع مرور الأيام و بعد العديد من التجارب الناجح منها و الفاشل … استطعت الدخول الى مواقع كثيرة و تعرفت على العديد من الأشخاص … عالم الانترنت عالم غريب … فهمت لماذا يحبه أحمد و لماذا هو متعلق به … تخيلت أنني كنت أسافر في كل يوم الى دولة و أحادث أشخاصاً جدد … دخولي لهذا العالم أنساني قليلاً من محاولاتي المستمرة في تتبع أحمد و معرفة ماذا يفعل و ماذا يشغله في الانترنت … نمت لي شخصية مستقلة و كونت ذاتي … كنت وقتها في حالة انكار لما يحدث حولي … فلم أستطع أن أفهم ما يدور مع أحمد أو ربما لأنني تعودت على غموضه… صرت أتجنب التدخل في جميع جوانب حياته …

أيقظني صوت رنين هاتف زوجي المحمول … و لما رد عليه سمعت صوت امرأة على الجانب الآخر من المحادثة … نظرت لوجه زوجي لأرى التوتر قد ظهر في ملامحه و أخذ يحادثها و كأنها رجل …

سألته “من المتصل؟” فأجاب أنه صديقه خالد … “و لكنني متأكدة أنها امرأة … لقد سمعت صوت أنثوي” … لم يجبني و سحب نفسه و خرج من المنزل … فاستقظت من غفلتي و تنبهت لما يحدث مع زوجي … و شعرت حقاً بأنه يحب امرأة أخرى تشغل عقله و قلبه و تفكيره العاطفي و الجسدي … من هنا بدأت روحي تضيع مني من جديد … و بدأت أتخبط بين ناري الغيرة و الحب و ناري الشفقة و الخوف على نفسي … أطفالي … حياتي … حبي الذي يضيع مني و ما بيدي حيلة … “ماذا فعلت أنا كي أستحق ذلك منك يا أحمد؟؟”

و تتالت المواقف التي تدل على غموض هذا الرجل و اخفاءه الأسرار عني … و كل محاولاتي باكتشاف ما يثبت علاقته بأخرى تبوء بالفشل … حتى أتى اليوم و فيه الذي أمسكت بخيط من خيوط الحقيقة … كان أحمد يستحم و صوت المياه ينبعث من خلف باب الحمام … قدر الله أن يترك جهاز الكمبيوتر المحمول مفتوحاً … فأثار فضولي و ألقيت عليه نظرة … وجدت أنه ترك مسنجره مفتوحاً أيضاً … فما الذي صدمني و ألقى هماً كبيراً على صدري؟؟ … عندما رأيت محادثة من شخصية اسمها “دايموند” أو على الأقل هذا ما سمت نفسها به على المسنجر … تحادث زوجي على الايميل الخاص به … “كيف حالك؟” … “اشتقنا لك” … “أين أنت؟” … “الظاهر أنك مشغول!!!” … بعض الجمل منها تظهر أمامي … وأنا في حالة من الذهول …

في ذلك الوقت شعرت بحزن غريب يجتاحني … و ترقرقت دموع الألم و الحسرة في عيوني … و لكن يجب أن أتصرف حالاً … يجب أن أعرف من هي هذه الفتاة التي تحادث زوجي … ذهبت ووقفت عند باب الحمام و قلت له بهدوء مصطنع : “دايموند تحادثك على المسنجر!!!” … لم يجبني و لم يقل أي كلمة … فأعدت الجملة نفسها عليه … رد ببرود “حسناً”!!! … !؟!؟ … أثار بعقلي تساؤلات كثيرة … ثم استعذت بالله من الشيطان الرجيم و حاولت أن أقنع نفسي أن “دايموند” فتاة صغيرة ربما تكون احدى بنات خالة زوجي الصغيرات … أو ربما هي ابنة أخته … و لكن طريقتها بالتحدث تدل على فتاة ناضجة !!!!! … لحظة ..! هل يعقل أن تكون رجل؟!؟! … كنت سأظن أنها رجل لو لم تكن صورتها الرمزية صورة مغنية مشهورة في عالمنا العربي … لذلك فهي فتاة بالتأكيد …

و عندما حان موعد النوم … زوجي كعادته لم يأتِ لينام بجانب زوجته التي تشتاق إليه … بل اختبأ بغرفة المكتب و سهر الليل بطوله على الانترنت … أنا متأكدة أن أحمد يخاف الله بالرغم من أنه يقصر ببعض الصلوات و لكنه لا يمكن أن يقع بالخطأ … اذا لم يكن من أجلي فمن أجل طفلاه اللذان يحبهما … ” ما الذي أسرك و أفقدك رشدك يا زوجي الحبيب ؟؟! “

في الصباح تجنبت معه كل نقاش و اختبأت في المطبخ لأشغل وقتي و أبتعد عن رؤيته … وجدته سعيداً و هادئ البال … يحمل محمد و يقبله و يلاعبه … ثم يحتضن دانة و يداعب يديها الصغيرتين … أحمد يتمتع بحس فكاهي و ظل خفيف …

“يااااااه كم أحببتك و ما زلت أحبك … و لكن هل من الممكن ألا تكون قد أحببتني يوماً؟؟” … “تفضحك نظراتك الهائمة ” … “لست الا عاشق … غارق في بحر الحب و الهوى” … “من تكون هذه الساقطة يا أحمد؟” …

قد يكون زوجي على علاقة بإمرأة أخرى و لكنني أعلم جيداً أنه لن يجرح مشاعري … أعلم أنه لن يفعل هذا بي أو بوالديه وأولاده … فصبرت على ادمانه على الانترنت … و كل مرة أمني نفسي أنها فترة و ستمضي … أربع سنوات و لم يتغير شيء … بل انه في كل مرة يطور برامجه التي تمكنه من التواصل أكثر مع عالم الانترنت المخيف … فتارة يأتي بكاميرا للانترنت و ميكرفون … و تارة برنامج محادثة بالصوت و الصورة … و برنامج آخر لأمور لا أعرف ما هي … كما يوجد جهاز غريب أسود يتصل بالكمبيوتر … كنت أخاف أن يكون له علاقة بالهكرز … و لكني تعودت أن يأتي أحمد بكل ما هو جديد و مثير في عالم التكنولوجيا

تعلمت الانترنت جيداً و في كل مرة أفتح جهاز أحمد أبحث عن أمور تكشف لي شيئاً و لكني أفشل بأغلب الأحيان … حتى هداني الله لأفتح خزانة الاسطوانات الممغنطة أو السيديهات … و من باب الفضول قمت بتجريب بعضها .. فوجدتها تحتوي على ما يختص بعمله و لم تكن تثيرني هذه الأمور …

استمرت حالي هكذا بين الشك و الريبة … حتى أتى اليوم الذي سيضيء لي نور الحقيقة المخفية و سيظهر أمامي السر المبهم في حياة زوجي … سافر أحمد لحضور معرض يقام في الخارج و كانت فترة سفره بسيطة … و أثناء غيابه … أردت أن أقوم بتشغيل المزيد من الأٌقراص فأخذت أبحث بينها علني أجد ما يلفت نظري فأقوم بتشغيله … حتى وجدت قرصاً بلون ذهبي مموج … رسم عليه نجمة صغيرة دلالة على أهمية ما يحتوية …

و بالرغم من ترددي وضعته داخل المشغل و أنا أشعر برجفة لا تتوقف بين أصابع يدي … حركت الفأرة و أنا أحاول التماسك و إعطاء نفسي قوة وهمية … فلست إلا أضعف خلق الله … وقبل أن يشتغل هذ القرص شعرت بدموع الخوف و الألم بدأت تترقرق داخل عيوني … فأغلقتهما و أحسست ببرودة بين جفني … ثم ناداني صوت من جانبي لا أعلم من أين أتى … “عبير … أنتِ تلقين بنفسك إلى التهلكة … و ما تفعلينه خطأ جسيم بحقك و حق أطفالكِ … استعيذي بالله من شيطانك و أغلقي هذا الجهاز اللعين و ابتعدي … و لا تحاولي العثور على ما يسيء لكِ و يدمر حياتكِ” … و على وقع هذه الكلمات فتحت عيناي خائفة مرتبكة متخبطة … أريد أن أطلع على ما يخفيه أحمد … “و لكن لماااااااذااا؟ لماذا فعلت ذلك بي يا أحمد ؟؟؟ لماذا أوصلت حياتنا لهذه الدرجة من الشك و الدونية ؟؟؟؟ “

ثم نظرت لشاشة الكمبيوتر … لم أستطع الرؤية جيداً و لكن … هاي هي قد بدأت تتضح رؤيتي …. الاسطوانة قد فتحت و أظهرت ما تخفيه من أسرار … و ما لف حياة أحمد من غموض !!!!!

فتحته … وجدته يحتوي على صور لفتاة يافعة بيضاء البشرة ذات شعر بني متدرج و وجه مستدير و خدود ممتلئة و عينان واسعتان تمتلك جسماً خيالياً يمتلئ بمقومات أنثوية مثيرة … و صور لطبيعة خضراء جميلة جداً و شاطئ لبحر مشمس و رائع … أيضاً صور لمكان مثل الجامعة و صفوف الدراسة … تسائلت “من هذه الفتاة و ما هو هذا المكان؟؟؟” …

و بينما أشاهد المزيد من الملفات … وقعت على محادثة مسنجر درات بين زوجي و المدعوة دايموند … فتحتها على عجالة و يدي على قلبي … في لحظة شعرت أن دقات قلبة المتسارعة ستختفي فجأة … و تجمدت أصابع يدي اليمنى و كأنها تمنعني من فتح هذا الملف الذي يخفي وراءه الكثير من الحقائق … حاولت أن أتحكم بارتجاف يدي … فالأمر لا يتطلب مني مجهود … ضغطتين سريعتين فقط … و بسرعة فتحت ملف المحادثة …!!!

فتحت المحادثة و ظهرت لي كل الحقيقة الخفية … علمت أن أحمد عاش قصة حب عنيفة مع إحدى الفتيات خلال سنوات دراسته … و التي استخدمت دايموند كاسم مستعار … و تبين لي أنه ما زال يحبها و هي ما تزال مغرمة به و تلاحقه … فهي لم ترتبط بأحد الى الآن و تريده لها زوجاً … أو حتى عشيقاً … لا فرق عندها بين الاثنين … في هذه اللحظة الصعبة … احتبست الأنفاس في حلقي من هول الصدمة و من هول ما قرأت … لم يترك كلمة حب أو شوق لم يكتبها لها … لم أتمالك أن أقرأ المحادثة كلها … فوضعت كف يدي على فمي أحبس فيها بكائي فيغلبني نحيبي و أجهش بالبكاء … الألم شديد … و الوجع لا يطاق … و بينما هو يقضي أفضل أوقاته في الخارج … كنت أنا أغرق ببحر من الدموع الساخنة … أشعر أنني مخنوقة … ضاقت بي الدنيا بما رحبت … بقيتُ بين زفرات بكائي و أنين جراحي حتى صباح اليوم التالي …

“كيف خانني؟ كيف خدعني؟ كيف استطاع أن يفعل ذلك بي؟”
“ماذا سأفعل و كيف سأتصرف؟”
فبعد أن ظهرت حقيقة غدره و خيانته … أغلقت الدنيا أبوابها في وجهي و ضاقت بي الأرض …
مستقبل مجهول و لست أعلم ماذا يخبيء لي القدر …

صرت أعاني من مشاعر الخوف المرتبط بالحزن العميق و الغضب العارم … و الاحساس المؤلم بجرح كرامتي المهدورة … و رغبة بالانتقام من هذا الخائن الغدار … أين قيمتي عنده ؟؟ أين محبتي في قلبه؟؟ .. أين احترامه للأيام التي قضيناها معاً ؟؟؟؟

و اتخذت قراري … حزمت ملابسي و ملابس أطفالي و أغراضنا اللازمة و توجهت لبيت أهلي أرتمي بين أحضان أمي و أبكي عندها فقد يخفف حضنها من اللهيب المشتعل في قلبي … و يهدئ ناراً تتأجج بين ضلوعي … و لن أنسى غريمي … سأنتقم منه و سأرد له غدره و خيانته و أواجهه بحقيقة اكتشافي لأمره …

قضيت تلك الليلة بين دموعي و آهاتي و أنين بكائي … حتى غفوت و أنا غارقة ببحر من الألم و الأوجاع … و استيقظت على خبر مفجع … عمي أبو أحمد تم تشخيص اصابته بمرض خبيث أرقده بالمستشفى لفترة طويلة … تألم خلالها كثيراً و عانى معاناة عظيمة … و كنا نتألم معه و نعيش لحظات ضعفه مما أثر على أحمد بشكل كبير … و بعد أن صارع عمي المرض لبضع شهور عصيبة و كلها آلام و محاولات علاج فاشلة … أرسل الله رحمته إليه ليرحمه من عذابه اليومي…

توفي عمي فجر يوم محزن … كان خبراً شديداً جداً على أحمد … اقتربت منه و حاولت التخفيف من حزنه … فما كان منه إلا الإعراض … تجاهلني و لم يعرني اهتمام … حتى أنه صرح لي أنه لا يريد شفقتي و لا يريد اهتمامي … فتراجعت و أنا حزينة … لأنني لم أستطع أن أكون معه في هذه الظروف … أخذت أطفالي و ذهبت لبيت والدي تاركة زوجي يعيش لحظات ألم فراق والده لوحده … الآن علمت أنه لم يكن يريد أن يظهر ضعفه أمامي أو أمام أطفاله … فتركته في الفترة التي كان يحتاج لوجودي و ابتعدت عنه … و هو بالتأكيد وجد من يواسيه و يقف بجانبه و على الأغلب هي “دايموند” المسنجرية …

ظروف مرض عمي و وفاته جعلتني أهمل أمر محادثة المسنجر و لم أواجه أحمد بها … و أبقيت في ذاكرتي ما رأيت و ما قرأت من كلمات … و لكن هذا أحمد … و بالرغم من آلامي رحمته … و فضلت أن أبتلع دموعي و أخفي غيظي و حزني على نفسي … لم أفضل أن أزيد زوجي هماً و ألماً … فيكفيه ما أصابه و ما ألم به …

و كلما تذكرت دايموند كلما راودي احساساً غريباً بالشفقة على نفسي و رغبة شديدة بالتقيؤ … و كنت في كل يوم أتعرض لحالة نفسية عصيبة أفقد بسببها شهيتي للأكل … حتى أصبت بنقص حاد لبعض الأملاح المهمة دخلت على اثرها المستشفى … لم أشأ أن يعلم أحمد بما حدث لي و خفت أن أفقد الحياة و أنا بعيدة عنه و هو غرامي و روحي … لذلك التزمت بالعلاج لأعود سريعاً و أبقى بجانب زوجي …

بعد فترة أسبوعين عدت الى بيتي صباحاً و لم يكن يعلم أحمد أنني سأعود بهذا اليوم … فقد كان قد استيقظ و ذهب لعمله … أخذت ارتب و أنفض غبار المنزل و انظف جميع أركانه … فوجدت طرداً وصل من “فكتوريا سيكريت” و فهمت انه محل الملابس النسائية المعروف و الذي يمكن الشراء منه عن طريق الانترنت … الا أن الطرد كان فارغاً !!!!! ترى ماذا كان فيه و أين ذهب و من الذي أحضره و لمن اشتراه ؟؟؟؟؟

إلى هنا و انتهى صبري عليك يا أحمد …و لابد من المواجهة حتى ولو كلفتني روحي … اتصلت به على عجالة دون أن أعلم أين هو و ماذا يفعل في هذه اللحظة … أخبرته أنني اكتشفت أمره و أني أعلم بأنه على علاقة بامرأة أخرى و أنه خائن و أنني لن أسامحه … و بقيت دقائق على الهاتف أصرخ و أرعد و أزبد … و عندما انتهيت من صراخي انتقلت لمرحلة البكاء لأستجدي عطفه و أطلب شفقته و أسأله الرحمة و الرأفة بحالي “أنتَ عشقي يا أحمد “…” لماذا تفعل ذلك بي ؟؟ ألأنني أحببتك و جعلتك محور اهتمامي و حياتي؟؟؟ … أجبني هيا !!!.. لماذا تسكت الآن؟؟؟ أم أنك ستتهرب كعادتك؟؟؟ .. فلتعلم أنك حطمت حياتي و دمرت كل أمل لي بالبقاء معك ..”

كل هذا و لم أسمع أي كلمة من جهة أحمد … فطلبت منه أن يدافع عن نفسه … قال لي جملة واحدة … “أنا رجل و أفعل ما أريد!!!!!” و أغلق سماعة الهاتف و كأنه أطفأ النور في وجهي … فهويت بجسدي على الأرض و غرقت ببحر دموعي …

في المساء … أتاني أحمد و وجدني ملقاة على أرضي … تاركة أولادي في بيت أهلي و غارقة ببحر من الدموع الساخنة و أنا أندب حظي ..

مشى نحوي بهدوء و جلس أمامي … أسند ركبتيه على الأرض … و وضع يديه على وجهي ليمسح دموعي … و تلفظ بكلمات كانت كالبلسم و لكنه حار … أحرق قلبي و أجهش دموعي … قال بصوت بليغ و حكيم …

” أعترف أنني قد دست على الورود الجميلة التي زرعتها في حياتنا و أنني أطفأت شمعة الحب التي أضئتيها في دروبنا و غرزت الخنجر المسموم في قلب حبنا … أعترف أنني حكمت على علاقتنا بالاعدام … انني خائن … ولكن الأمر أكبر مني و منكِ … أعترف أنني أحببت أخرى و كانت حبي الأول و افترقنا و مازال طيفها يجول في خيالي و خاطري و أتمناها لي … و كلما أتخيل أنها ستكون لغيري يجن جنوني و أفقد عقلي … و لكن الأمر ليس بيدي … أنا لا أستحق دموعك … ربما مال قلبي لأخرى و لكن ليس على حسابك … انتي زوجتي و أم أولادي … كرامتك من كرامتي و دموعك غالية علي … أعلم أنه ليس من حقي الدفاع عن نفسي و لكن أعدك أن غداً سيكون أبيض مثل بياض قلبك و صفاء روحك … “

كل كلمة قالها غرست في قلبي كالشوكة … و كلما أكثر من حديثة كلما غرس شوكٌ أكبر … حتى شعرت أنني أرتجف و انتفض و فقدت الوعي …

استيقظت في غرفة بيضاء انها غرفة الطوارئ ذات الرائحة المعقمة … شعرت أن هناك صخرة كبيرة تمكث على صدري … نظرت حولي وجدت أمي و أطفالي يقفون بجانب السرير … ينتظروني لاستيقظ … ابتسمت لرؤيتي اطفالي و هممت ان اقوم لتقبيلهما فشعرت برغبة شديدة بالتقيؤ … أسرعت الممرضة التي كانت تراقبني و احضرت وعاء خاص لهذا الغرض … انتهيت و عدت للنوم من جديد …

استيقظت للمرة الثانية و كان بوقت متأخر جداً من الليل … وجدت شخصاً يمسك يدي و يقبلها من باطنها فشعرت بدموع باردة … نظرت بدهشة … انه زوجي … أغمضت عيني من جديد و أنا أتمنى أن يكون كل ما حدث معي وهم أو حلم و سأستيقظ منه الآن … و لكنه الواقع ولا هروب منه … انها الخيانة تحدق بي … حب زوجي الاول مازال يلازمه …كيف سأجعله يتخلص من هذا الطيف المؤذي؟ … هل انتهت حياتي معه؟

“لنبدأ من جديد..”

نظرت اليه بحزن و بداخلي حقد كبير عليه و كره لنفسي … “اي جديد؟”

طأطأ رأسه بألم … فشعرت بالشفقة عليه … و لحظة بدا و كأننا تبادلنا الأدوار … هو المريض و أنا من يجب أن يواسيه و يخفف عنه الألم … قال بحزن …

“أريدك أن تعلمي أن الله قد أخذ حقك من الذي ظلمك و حطم قلبك … أخذ حقك من الذي هتك مشاعرك و أحاسيسك … حياتي كأنها الكابوس … و ان لم تسامحيني فلن يبقى لي من هذه الدنيا أمل بالسعادة ..”

لم أفهم ماذا يقصد أحمد كلامه … ولا أعلم ماذا يجري و لكنه بالتأكيد شيء خطير و مؤلم …

لأجل حبي له و عشرتي معه سامحته …

زوجي و عشيري و حب حياتي …

سامحته لأنني أحبه … و سأكون له لآخر يوم حتى لو اختار أخرى …

فأنا أخترته و سأفعل المستحيل لأبقى بجانبه … و ظروف حياته يجب أن تناسبني مهما كانت قاسية …

جهزت سفرة جميلة للغداء و لبست فستاناً برتقالياً قصيراً يناسب لونه بشرتي ثم وضعت مكياجاً خفيفاً يليق بالنهار …

انتظرت أحمد و انتظرت و انتظرت … و في آخر الليل الكئيب و بعد ساعات الانتظار الكريهة … كنت قد بدلت فستاني و مسحت مكياجي …

وردني اتصالاً من أحمد … ولما وجدت رقمه ظاهراً لي … بكيت .. ولم أستطع أن أرد عليه … يكفيني ما جائني اليوم منه … يكفي خداعاً لليوم … فلا أريد سماع أعذار ولا كلمات شعرية … فأشعر كالمغفلة .. كالبلهاء التي يلعب بها هذا الرجل … يكفيني ما ألم بي الليلة … فربما لن أحتمل أكثر … و لكن هاتفي لم يتوقف عن الرنين …

و أخيراً أجبته …

انه أبي يحدثني من جوال أحمد و يريد أن ياتي لزيارتي و في هذه الساعة المتأخرة … و أنه قريب جداً من البيت …

نهضت بسرعة شديدة و أنا ارتجف … لبست ملابس الصلاة و انطلقت للباب الرئيسي انتظر أبي … علمت من صوته أن هناك أمراً جلل … فتسارعت نبضات قلبي … و زاد قلقي … يارب أنقذني … يارب كن معي …

و في ساحة بيتي و قبل شروق الشمس بدقائق … صار يبكي و يعانقني و يقبلي جبهتي كالطفلة … انه أبي يخبرني أن زوجي قد تعرض لاعتداء من قبل مجموعة من المجرمين … و نقل للمستشفى …

و مات متأثراً بجروح خطيرة و طعنات قوية بالصدر و الظهر …

نظرت بداخل عيني أبي فوجدت بحراً من الدموع الغريزة …

اغمضت عيناي ببطء شديد و رفعت رأسي لأرى نور الشمس يتخلل أغصان النخيل بحديقة بيتي …

و تخيلت قطاراً مسرعاً يتجه نحو الشمس … و أنني أركض خلفه أريد اللحاق به …

لكنه فاتني … انه قطار سعادتي مع زوجي …

2 تعليقان to “من أوراق زوجة فاتها قطار السعادة الزوجية”

  1. sama مايو 1, 2010 في 3:33 ص #

    قصة مؤلمة جدا
    يالمرارة هذا الشعور حقا
    أسأل الله أن يعافينا والمسلمين مما ابتلى به غيرنا
    جزاك الله خيرا غاليتي احلا على القصة الراائعة التي تحمل في طياتها الكثير من العبر

    • (A7LA) مايو 2, 2010 في 2:43 م #

      و اياكِ غاليتي سما
      أسعدتني متابعتك و تعليقك
      لكِ مودتي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: